آللهٌـمّـ لگ آلحمـدُ حتـّى تـرضَـى ولگ آلحمـدُ إذآ رضيـتّ ~ ولگ آلحمـدُ بعّـد آلـرِضَـى ♥ ..











    المستشفيات في الحضارة الإسلامية

    شاطر
    avatar
    Egyptian
    المـدير العـام
    المـدير العـام

    الجنس : ذكر

    عدد المساهمات : 190
    تاريخ التسجيل : 29/03/2012
    العمر : 29
    الموقع : http://ikr2.yoo7.com
    المزاج : Busy

    المستشفيات في الحضارة الإسلامية

    مُساهمة  Egyptian في الجمعة أبريل 27, 2012 2:28 am



    البيمارستان النوري في دمشقإن من أروع ما قامت عليه الحضارة الإسلامية هو جمعها بين حاجة الجسم وحاجة الرُّوح،
    واعتبارها الاهتمام والعناية بالجسم ومطالبه مطلبًا ضروريًّا؛ لتحقيق حياة طيبة هانئة للإنسان، يَنْعَمُ فيها الجسد، وتُشْرِقُ فيها الرُّوح، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مؤسِّس هذه الحضارة: "إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا"[1].

    وإذا ما علمنا مقاومة الإسلام للأمراض وانتشارها، وحثَّه وترغيبه في طلب العلاج المكافح لها؛ عَلِمْنَا أي أُسُسٍ قويَّة قام عليها بناء حضارة الإسلام في ميدان الصحَّة،ومبلغَ ما أفاده العالم من هذه الحضارة في إقامة المستشفيات والمعاهد الطبية، وتخريج الأطباء الذين لا تزال الإنسانية تفخر بأياديهم على العلم عامَّة، والطبِّ خاصَّة[2].

    دور المؤسسة الصحية في الحضارة الإسلامية

    وقد تمثَّل دور المؤسسة الصحية في الحضارة الإسلامية في تقديم الرعاية الصحية، ومساعدة المرضى، وبالأخصِّ من الفقراء والمحتاجين؛ وذلك عن طريق المستشفيات، التي كانت تُقَدِّم خدمات جليلة في علاج المرضى وإطعامهم ومتابعتهم؛ سواء من المتردِّدِينَ عليها أو غيرهم بالوصول إليهم في منازلهم؛ تلك المستشفيات التي انتشرت في ربوع العالم الإسلامي،وكانت مصدر إسعاد وطمأنينة للمجتمع الإسلامي بكل فئاته؛ حيث يَتَلَقَّى فيها المريض العلاج والرعاية التامَّة، والكسوة والغذاء، إضافةً إلى أنَّ كثيرًا من هذه المستشفيات كانت تقوم بوظيفة تعليم الطبِّ إلى جانب قيامها بوظيفتها الأساسيَّة، وهي معالجة المرضى والسهر على راحتهم. وقد أضاف ذلك كله للحضارة الإسلامية بُعْدًا إنسانيًّا آخر.

    إسهامات المسلمين في مجال الصحة بناء المستشفيات ودورها الكبير

    لعلَّ من أجَلِّ إسهامات المسلمين الحضارية في مجال الصحة، وأعظمها على الإطلاق أنهم أَوَّل مَنْ أسس المستشفيات في العالم، بل إنهم سبقوا غيرهم في ذلك الأمر بأكثر من تسعة قرون!

    فقد أُسِّس أَوَّل مستشفى إسلامي في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، والذي حكم من سنة(86 هـ/705م) إلى سنة (96 هـ/715م)، وكان هذا المستشفى متخصِّصًا في الجُذام[3]، وأُنشئت بعد ذلك المستشفيات العديدة في العالم الإسلامي، وبلغ بعضها شأوًا عظيمًا؛ حتى كانت هذه المستشفيات تُعَدُّ قلاعًا للعلم والطبِّ، وتُعتبر من أوائل الكليات والجامعات في العالم، بينما أُنشِئ أَوَّل مستشفى أوربي في باريس بعد ذلك بأكثر من تسعة قرون.

    وكانت المستشفيات تُعرف بـ (البيمار ستانات) أي دُور المرضى، وكان منها الثابت ومنها المتنقِّل؛ فالثابت هو الذي يُنشَأ في المدن، وقلَّما تجد مدينة إسلامية - ولو صغيرة - بغير مستشفى، أمَّا المستشفى المتنقِّل فهو الذي يجوب القرى البعيدة والصحارى والجبال. وكانت المستشفيات المتنقِّلة تُحْمَل على مجموعة كبيرة من الجِمال - وصلت في بعض الأحيان إلى أربعين جملاً- وذلك في عهد السلطان محمود السلجوقي الذي حكم من سنة (511هـ/ 1117م) إلى سنة (525 هـ/ 1131م)،وكانت هذه القوافل مُزوَّدة بالآلات العلاجية والأدوية، ويُرافقها عدد من الأطباء،وكان بمقدورها الوصول إلى كل رقعة في الأُمَّةِ الإسلامية[4].

    وقد وصلت المستشفيات الثابتة في المدن الكبرى إلى درجة راقية جدًّا في المستوى، وكان من أشهرها المستشفى العضُدي ببغداد، والذي أُنشئ في سنة (371 هـ/ 981م)، والمستشفى النوري بدمشق، والذي أنشئ في سنة (549 هـ/ 1154م)، والمستشفى المنصوري الكبير بالقاهرة، والذي أُنشئ سنة (683 هـ/ 1284م)، وكان بقرطبة وحدها أكثر من خمسين مستشفى[5].

    وكانت هذه المستشفيات العملاقة تُقَسَّم إلى أقسام بحسب التخصُّص؛ فهناك أقسام للأمراض الباطنة، وأقسام للجراحة، وأقسام للأمراض الجلدية، وأقسام لأمراض العيون، وأقسام للأمراض النفسية، وأقسام للعظام والكسور، وغيرها.

    ولم تكن تلك المستشفيات مجرَّد دُورِ علاج، بل كانت كُلِّيَّات طبٍّ حقيقية على أرقى مستوى؛ فكان الطبيب المتخصِّص -الأستاذ- يمرُّ على الحالات في الصباح، ومعه الأطباء الذين هم في أُولَى مراحلهم الطبية، فيُعَلِّمُهُمْ، ويُدَوِّنُ ملاحظاته،ويصف العلاج، وهم يُراقبون ويتَعَلَّمُون، ثم ينتقل الأستاذ بعد ذلك إلى قاعة كبيرة، ويجلس حوله الطلاب، فيقرأ عليهم الكتب الطبية، ويشرح ويوضِّح، ويُجِيبُ عن أسئلتهم، بل إنه يعقد لهم امتحانًا في نهاية كل بَرْنَامج تعليمي مُعَيَّنٍ ينتهون من دراسته، ومن ثَمَّ يُعطيهم إجازة في الفرع الذي تخَصَّصُوا فيه.

    وكانت المستشفيات الإسلامية تضمُّ في داخلها مكتبات ضخمة، تحوي عددًا هائلاً من الكتب المتخصِّصَة في الطب، والصيدلة، وعلم التشريح، ووظائف الأعضاء، إلى جانب علوم الفقه المتعلِّقَة بالطبِّ، وغير ذلك من علوم تهمُّ الطبيب.

    وممَّا يُذْكَرُ على سبيل المثال -لنعرف ضخامة هذه المكتبات- أن مكتبة مستشفى ابن طولون بالقاهرة كانت تضمُّ بين جنباتها أكثر من مائة ألف كتاب.

    وكانت تُزرَع -إلى جوار المستشفيات- المزارع الضخمة، التي تنمو فيها الأعشاب الطبية والنباتات العلاجية؛ وذلك لإمداد المستشفى بما يحتاجه من الأدوية.

    أمَّا الإجراءات التي كانت تُتَّخَذ في المستشفيات لتجنُّب العدوى فكانت من نوع خاص ٍّفريد؛ فكان المريض إذا دخل المستشفى يُسَلِّم ملابسه التي دخل بها، ثم يُعْطَى ملابس جديدة مجانية؛ لمنع انتقال العدوى عن طريق ملابسه التي كان يرتديها حين مرض،ثم يدخل كل مريض في عنبر مختصٍّ بمرضه، ولا يُسمح له بدخول العنابر الأخرى؛ لمنع انتقال العدوى أيضًا، وينام كل مريض على سرير خاصٍّ به، وعليه ملاءات جديدة وأدوات خاصَّة.

    ولنا أن نقارن ذلك بالمستشفى الذي أُنشئ في باريس بعد هذه المستشفيات الإسلامية بقرون؛حيث كان المرضى يُجْبَرُونَ على الإقامة في عنبر واحد، وذلك بصرف النظر عن نوعية أمراضهم، بل ويُضطرون لنوم ثلاثة أو أربعة، وأحيانًا خمسة من المرضى على سريرٍ واحد، فتجد مريض الجدري إلى جوار حالات الكسور، إلى جوار السيدة التي تلد! كما كان الأطباء والممرِّضُون لا يستطيعون دخول العنابر إلاَّ بوضع كمائم على الأنف من الرائحة شديدة العفونة في داخل هذه العنابر! بل كان الموتى لا يُنقلون إلى خارج العنابر إلاَّ بعد مرور أربعٍ وعشرين ساعةً على الأقلِّ من الوفاة! ولنا أن نتخيَّل مدى خطورة هذا الأمر على بقية المرضى[6].

    نماذج من المستشفيات الإسلامية

    بيمارستان المنصوري الكبير وإذا أردنا أن نستعرض بعضًا من المستشفيات الرائدة في التاريخ الإسلامي، فكان من أعظمها: المستشفى العضُدي، وقد أنشأه عضد الدولة ابن بويه عام (371هـ/ 981م) في بغداد، وكان يقوم بالعلاج فيه عند إنشائه أربعة وعشرون طبيبًا، تزايدوا بعد ذلك جدًّا، كما كان يضمُّ مكتبة علمية ضخمة، وصيدلية، ومطابخ، وكان يخدم فيه عدد ضخم من الموظَّفِينَ والفرَّاشين، وكان الأطباء يتناوبون على خدمة المرضى؛ بحيث يكون هناك أطباء بالمستشفى أربعًا وعشرين ساعة يوميًّا.

    ومن المستشفيات الإسلامية العظمى أيضًا: المستشفى النوري الكبير بدمشق، والذي أنشأه السلطان العادل نور الدين محمود، وذلك في سنة (549هـ/ 1154م)، وكان من أجَلِّ المستشفيات وأعظمها، واستمرَّ في العمل فترة طويلة جدًّا من الزمان؛ حيث بقي يستقبل المرضى حتى سنة (1317هـ/1899م) أي قرابة ثمانمائة سنة!

    كذلك من أعظم المستشفيات في تاريخ الإسلام: المستشفى المنصوري الكبير، الذي أنشأه الملك المنصور سيف الدين قلاوون في القاهرة، وذلك سنة (683هـ/1284م)، وكان آية من آيات الدنيا في الدقَّة والنظام والنظافة، وكان من الضخامة بحيث إنه كان يُعَالِجُ في اليوم الواحد أكثر من أربعة آلاف مريض.

    ولا ننسى في هذا المضمار مستشفى مَرَّاكش، والذي أنشأه المنصور أبو يوسف يعقوب، ملك دولة الموحِّدين بالمغرب، والذي حكم من سنة (580هـ/ 1184م) إلى سنة (595هـ/1199م) ، وكان بناء هذا المستشفى آية من آيات الإتقان والروعة؛ فقد غُرست فيه جميع أنواع الأشجار والزروع، بل كانت في داخله أربع بحيرات صناعية صغيرة، وكان على مستوًى عالٍ جدًّا من حيث الإمكانات الطبية، والأدوية الحديثة، والأطباء المهرة[7]، لقد كان-بحقٍّ- دُرَّة في جبين الحضارة الإسلامية.

    ليس هذا فقط، بل كانت هناك المستشفيات المتخصِّصة، التي لا تُعَالِجُ إلاَّ نوعًا مُعَيَّنًا من الأمراض: كمستشفيات العيون، ومستشفيات الجذام، ومستشفيات الأمراض العقلية، وغير ذلك.

    وأعجب منه وأغرب أنه كانت توجد في بعض المدن الإسلامية الكبرى أحياء طبية متكاملة؛ فقد حدَّث ابن جبير في رحلته التي قام بها في سنة (580هـ/ 1184م) تقريبًا، أنه رأى في بغداد -عاصمة الخلافة العباسية- حيًّا كاملاً من أحيائها يشبه المدينَة الصغيرة، يتوسَّطه قصر فخم جميل، تحيط به الحدائق والبيوت المتعدِّدَة، وكان كل ذلك وَقْفًا على المرضى، وكان يَؤُمُّه الأطباء من مختَلَفِ التخصصات، فضلاً عن الصيادلة وطلبة الطب، وكانت النفقة جارية عليهم من الدولة ومن الأوقاف التي يجعلها الأغنياء من الأُمَّة لعلاج الفقراء وغيرهم[8].

    ــــــــــ

    [1] البخاري عن عبد الله بن عمرو: كتاب الصوم، باب حق الجسم في الصوم (1874)، ومسلم: كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به (1159).

    [2] انظر:مصطفى السباعي: من روائع حضارتنا ص107.

    [3] الطبري: تاريخ الأمم والملوك 4/29.

    [4] ابن القفطي: تاريخ الحكماء ص405.

    [5] محمود الحاج قاسم: الطب عند العرب والمسلمين ص328، 329.

    [6] انظر: مصطفى السباعي: من روائع حضارتنا ص116، 117.

    [7] المصدر السابق ص110-118.

    [8] السابق نفسه ص101.




    المصدر موقع عودة ودعوة

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء يناير 16, 2019 8:05 pm